جميل صليبا
476
المعجم الفلسفي
الحضري ، وجعل أجيال البدو والحضر طبيعية في الوجود . فالبداوة أصل الحضارة ، والبدو أقدم من الحضر ، لأنهم يقتصرون على انتحال الزراعة والقيام على الحيوان لتحصيل ما هو ضروري لمعاشهم . اما الحضر فان انتحالهم للصنائع والتجارة يجعل مكاسبهم أكثر من مكاسب أهل البدو ، وأحوالهم في معاشهم زائدة على الضروري منه . وإذا كانت البداوة أصل الحضارة ، فان الحضارة غاية البداوة ونهاية العمران . وللحضارة عند المحدثين معنيان أحدهما موضوعي مشخص والآخر ذاتي مجرد . اما المعنى الموضوعي فهو اطلاق لفظ الحضارة على جملة من مظاهر التقدم الأدبي ، والفني ، والعلمي ، والتقني التي تنتقل من جيل إلى جيل في مجتمع واحد أو عدة مجتمعات متشابهة . تقول : الحضارة الصينية ، والحضارة العربية ، والحضارة الأوربية ، وهي بهذا المعنى متفاوتة فيما بينها ، ولكل حضارة نطاقها ( Aire ) ، وطبقاتها ( Couches ) ولغاتها ، ( Langues ) . فنطاقها هو حدودها الجغرافية ، وطبقاتها هي آثارها المتراكمة بعضها فوق بعض في مجتمع واحد ، أو في عدة مجتمعات . ولغاتها هي الأداة الصالحة للتعبير عن الأفكار السياسية والتاريخية والعلمية والفلسفية . واما الحضارة بالمعنى الذاتي المجرد فتطلق على مرحلة سامية من مراحل التطور الانساني المقابلة لمرحلة الهمجية والتوحّش ، أو تطلق على الصورة الغائية التي نستند إليها في الحكم على صفات كل فرد أو جماعة ، فإذا كان الفرد متصفا بالخلال الحميدة المطابقة لتلك الصورة الغائية قلنا إنه متحضر ، وكذلك الجماعات ، فان تحضرها متفاوت بحسب قربها من هذه الصورة الغائية أو بعدها عنها . ومع أن الصورة الغائية للحضارات مختلفة باختلاف الزمان والمكان ، فان اختلافها لا يمنع من اشتراكها في عناصر واحدة . وتتألف هذه العناصر في زماننا من التقدم العلمي والتقني ، وانتشار أسباب الرفاه المادي ، وعقلانية التنظيم الاجتماعي ، والميل إلى القيم الروحية ، والفضائل الأخلاقية . فالكلام على الحضارة